Food and Agriculture Organization of the United NationsFood and Agriculture Organization of the United Nations

الماتيه: المشروب الذي يحافظ على حياة غابة


التراث الزراعي المشترك الداعم للمجتمعات المحلّية والغابات في جنوب البرازيل

Share on Facebook Share on X Share on Linkedin

في غابة الأراوكاريا (Araucaria) في البرازيل، تقوم شعوب ريو داريا الأصلية، بقيادة Antonio Lima، بإدارة الغابات ونبتة اليربا ماتيه المزروعة في الظل معاً على أرضها. ©FAO/Jorge de Souza

05/01/2026

في جنوب البرازيل، المشروب ليس مجرد مشروب، حيث يتم ملء "الكوييا" (cuia)، وهو وعاء شرب تقليدي، بشراب الـchimarrão، أي منقوع اليربا ماتيه البرازيلي التقليدي، وتمريره من يدٍ إلى يد، مما يمكِّن من تجاذب أطرف الحديث وخلق روابط بين الناس. ويحمل هذا الكوب أكثر من مجرد دفء، إنه يحمل ذاكرة الغابة ومعرفة كيفية العيش معها.

وفي ولاية بارانا (Parana) الواقعة في جنوب وسط البرازيل، تتم زراعة اليربا ماتيه (Ilex paraguariensis) داخل الغابات المحلّية وليس في الحقول المنظفة. وقد دعّم هذا الأسلوب المستدام للإنتاج الغذائي سبل عيش الأسر لأجيال، مشكّلًا منظرًا طبيعيًا حيث تعتمد الزراعة على الغابات عوضًا عن استبدالها. وتحظى اليربا ماتيه بأهمية عالمية أيضًا بالإضافة إلى جذورها الثقافية. وتُعد البرازيل من بين المنتجين والمصدرين الرائدين للماتيه في العالم، إلى جانب الأرجنتين وباراغواي، حيث تزوّد الأسواق الإقليمية والدولية.

العيش مع الغابة

يٌعتبر النظام التقليدي لليربا ماتيه المزروعة في الظل استثنائيًا لأنه يجمع بين الإنتاج الغذائي والحفاظ على التنوّع البيولوجي والتنظيم الاجتماعي في ظل ضغوط بيئية شديدة.

وتُعد غابة الأراوكاريا، التي تشكِّل جزءًا من الوحدة الأحيائية للغابة الأطلسية، من بين أكثر النظم الإيكولوجية المهددة في الكوكب. فقد أدت عقود من إزالة الغابات وتغيير استخدام الأراضي إلى تقليص حجمها حتى باتت جزءًا صغيرًا من حجمها الأصلي.

وضمن هذا السياق، فإن استمرار النظم الزراعية الحراجيّة التقليدية ليس من قبيل الصدفة، فهو ناجم عن القرارات اليومية، والمعارف والرعاية المتراكمة على مدى أجيال، والمساعي الجماعية. وقد ساهمت هذه النظم الزراعية في الحفاظ على الوظيفة البيئية والإنتاجية الاقتصادية والإدارة الاجتماعية للغابات المتبقية، مما عزز قدرتها على الصمود مع ضمان سبل عيش السكان الريفيين ونقل المعرفة من جيل إلى جيل.

وتقول الدكتورة Evelyn Nimmo، الأستاذة المساعدة في جامعة بونتا غروسا (Ponta Grossa) الحكومية في البرازيل: "هذا ليس مجرد نظام زراعي، بل إنه أسلوب للعيش مع الغابة. فالإنتاج يتم داخل الغابة، مسترشدًا بالمبادئ الزراعية البيئية والمعارف المتوارثة أبًا عن جدٍ. وتدير المجتمعات المحلّية الغطاء الحرجي والتجديد والتنوّع عبر أساليب تتيح استمرار بقاء الغابة وفي الوقت ذاته تدعم سبل العيش".

ويُترجم مفهوم الغابة هذا إلى ممارسات ملموسة على أرض الواقع. ويوضح السيد João Carlos Andrianchyk، وهو منتج صغير لليربا ماتيه، قائلًا "منذ زمن بعيد ونحن نعي ضرورة الحفاظ على غابة الأراوكاريا، وحماية مصادر المياه، وتجنب استخدام المواد الكيميائية الزراعية. ونقوم بنقل هذا المفهوم إلى الشباب لأن العالم سيحتاج إلى هذا العمل إذا كنا نريد الاستمرار في التمتع بالحياة الطيبة التي نتمتع بها هنا".

وتتجذر هذه "الحياة الطيبة" في الاستمرارية، أي القدرة على العيش من الأرض دون استنزافها. وفي المجتمعات المحلّية، مثل بونتيلاو (Pontilhão) وباسو دو ميو (Paço do Meio)، تعتمد أكثر من 130 أسرة بشكل مباشر على نبات اليربا ماتيه، الذي غالبًا ما يوفر نحو 70 في المائة من الدخل الأسري. 

هناك رعاية نشطة للأحراج في غابة الأراوكاريا. وتنمو اليربا ماته إلى جانب الأشجار والنباتات المحلّية، مهيئةً بيئة تدعم التنوّع البيولوجي وتحمي التربة وتنظم الدورة المائية.©FAO/Luiza Olmedo

التنوّع البيولوجي كوسيلة للحماية

إن النظام الذي تديره هذه المجتمعات المحلّية ليس ثابتًا أو مهملًا. فالرعاية النشطة بالغابات تتم من خلال التقليم الانتقائي والتجديد الطبيعي. وتنمو اليربا ماتيه إلى جانب الأشجار المثمرة والنباتات الطبية والأنواع الحرجية المحلّية، مهيئة بيئة متعددة الطبقات تدعم التنوّع البيولوجي وتحمي التربة وتنظم دورة المياه.

وعلى خلاف الزراعات الأحادية الصناعية، حيث تتم مكافحة الآفات من خلال المدخلات الكيميائية، تعتمد هذه النظم القائمة على الغابات على التوازن الإيكولوجي. ويوضّح المنتج السيد João Negir e Silva بالقول "ثمة نوع من اليرقات يضر باليربا ماتيه. لكن مرت عشرة أعوام أو أحد عشر عامًا دون وجود حالات تفشي هنا. وهي تصل إلى المناطق المجاورة، ولكنها لا تأتي إلى هنا بفضل التنوّع البيولوجي الذي نحافظ عليه".

وإن التنوّع البيولوجي هنا ليس مفهومًا نظريًا بل نوع من الحماية. فالطيور والحشرات والنباتات تتفاعل بطرق تحد من الهشاشة وتتيح استمرار الإنتاج دون أن يتسبب ذلك في تدهور الغابة.

ويتبع العمل إيقاعات النظام الإيكولوجي. إذ يتم حصاد أوراق اليربا ماتيه كل ثلاث سنوات، ممّا يتيح للنباتات الوقت للتجديد. وتُجمع الثمار دون هزّ الأشجار.

ويقوم العديد من المنتجين بنشر الشتلات بأنفسهم، والحفاظ على أنواع الأشجار المحلّية مثل الأراوكاريا وشجر الجوز البرازيلي imbuia وشجرة الأوكوتيا بوبيرولا canela guaicá، وهي مكوّنات أساسية في غابة الأراوكاريا – ويعزز المنتجون بنية الغابة مع مرور الزمن.

وتوضح المنتجة الريفية، السيدة Olga Wenglarek، قائلة "نعيش من الزراعة واليربا ماتيه التي نزرعها. ونستخدم كل شيء، بدءًا من الحطب للطهي وصولًا إلى الأغذية من حدائقنا. وثّمة حاجة للرعاية من أجل البقاء على قيد الحياة والحرص على ضمان مكان أيضًا لمن يأتي من بعدنا." 

في بارانا في البرازيل، تقوم الأسر عبر أجيال بالعمل معًا في الغابات التي تظلّلها اليربا ماتيه، لتأمين سبل العيش والحفاظ على سلامة غابة الأراوكاريا. FAO/Jorge de Souza©

اعتراف ذو مغزى

تكتسب هذه الجهود أهمية خاصة لأنه لا يمكن الحفاظ بفعالية على شجرة الأراوكاريا (Araucaria angustifolia) وهي النوع الرئيسي في الغابة، عبر بنوك البذور العادية. فبذورها سريعة التلف، وتحتاج إلى مناظر طبيعية حية وفعالة للبقاء على قيد الحياة. ولذلك، فإن الحفاظ على غابة الأراوكاريا على المدى البعيد يعتمد مباشرة على المجتمعات المحلّية لإبقاء الغابة قائمة ومنتجة ومترابطة.

وتمتد هذه المسؤولية عبر الأجيال، فقد كانت اليربا ماتيه، قبل وقت طويل من دخولها الأسواق التجارية، جزءًا من حياة الشعوب الأصلية. وهي تُعرف باسم كا ا (ka’a) بين شعب الغواراني (Guarani)، وكانت تستخدم هذه الشجرة المحلّية في الاحتفالات والطقوس والاستهلاك اليومي.

ويقول الزعيم Cacique (قائد الشعوب الأصلية) Antonio Lima المنحدر من أرض ريو درايا: "كانت اليربا ماتيه دومًا جزءًا من حياتنا الجماعية. ولا يرتبط الأمر فقط بالاستهلاك، بل بالعمل المجتمعي، مع وجود قواعد مشتركة بخصوص رعاية الغابة، وبما يتعلق بتوقيت الحصاد وطريقته. وهذا التنظيم هو ما سمح بالحفاظ على الغابة وبقاء وحدة المجتمع المحلّي".

وضمن هذا السياق، ثمة مكانة خاصة لاعتراف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بنظام اليربا ماتيه التقليدي المزروع في الظل كنظام من نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية. وتم الاعتراف به في مايو/أيار 2025، وهو ثاني نظام من نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية في البرازيل بعد نظام Espinhaço Range Sempre-Vivas.

ويوضح السيد Jorge Meza، ممثل المنظمة في البرازيل، قائلًا "هذا الاعتراف هو أكثر بكثير من مجرد لقب، فهو يظهر كيف أدارت المجتمعات المحلّية الغابات على نحو مستدام لقرون، حيث تولت حماية التنوّع البيولوجي، وولّدت المداخيل، وحافظت على الهويات الثقافية القوية".

وفي بارانا، لا تنفصل الزراعة عن الطبيعة، بل هي جزء لا يتجزأ منها. ولا تزال الغابة قائمة ليس لأنها تُركت وشأنها، بل لأنه تم استغلالها ورعايتها ومشاركتها، مما عزّز قدرة السكان والنظم الإيكولوجية على الصمود.