في ميانمار، ساعدت منظمة الأغذية والزراعة في إنشاء مجموعة نسائية للادخار والإقراض، تمكنت عبرها النساء من إطلاق مشروع صغير لإنتاج معكرونة الأرز في مجتمعهن المحلي. ©FAO / Htike Koko Aung
تدير السيدة Maw Maw Hmwe كشك طعام متواضعًا لبيع سلطات معكرونة الأرز الشهيرة الخاصة بها، على أرضية مدرسة ابتدائية تقع بين بلدتي Pwintbyu و Salinفي إقليم Magway في ميانمار. ويتردّد الطلاب والأساتذة عليها يوميًا لتناول وجبة مغذية. ومحلّ المعكرونة المستقل هذا هو مجرد مشروع واحد من المشروعين اللذين
تديرهما Maw Maw.
وتوضّح قائلة "لم أتخيل قط أنني سأدير مشروعًا. والآن أشعر بالثقة والاستقلالية."
وتُعدّ معكرونة الأرز غذاءً أساسيًا في جميع أنحاء ميانمار، وهي متأصلة بعمق في الثقافة الغذائية للبلاد. وهي تُقدَّم ضمن مجموعة متنوعة من الأطباق، من الصباح حتى المساء، وتتخذ أشكالًا مختلفة وتتبوأ مواقع مختلفة في المطبخ. وفي الطبق الوطني لميانمار، الحساء المحضّر من السمك المعروف بـ mohinga، تبدو المعكرونة سميكة ودائرية، بينما في طبق معكرونةshan ، فهي رفيعة وخيطية. وبالإضافة إلى دورها كغذاء أساسي، تبقى أطباق معكرونة الأرز ميسورة الكلفة ومصدر راحة مألوفة بالنسبة إلى الكثيرين.
واعتبرت Maw Maw معكرونة الأرز خطوة طبيعية تالية بعد زراعة الأزر، ووسيلة لزيادة دخلها وتوفير بعض الاستقرار لإيراداتها في زمن يتسبب تغير فيه المناخ في عدم استقرار غلة المحاصيل.
وأشارت قائلة "في بعض السنوات نحصل على محصول جيد. ولكن في السنة التالية، لا نحصل على شيء. وكنت أشعر بالقلق باستمرار بشأن كيفية بقائنا على قيد الحياة. "
وفي السنوات الأخيرة، جرفت الفيضانات محاصيلها، وحرق الجفاف التربة، ما تسبب في خسارة محاصيلها من الأرز والفول والسمسم. وكانت Maw Maw، وهي أم لأسرة مكوّنة من ثمانية أفراد، تستيقظ كل يوم وينتابها شعور بالقلق إزاء تأمين لقمة العيش، وهذا ما كان يخشاه الكثيرون.
وتعقدت الأمور أكثر منذ اندلاع الأزمة السياسية في عام 2021، حيث انتشر عدم الاستقرار السياسي والنزاع المسلح في جميع أنحاء البلد، ممّا تسبب في زعزعة الاقتصاد ودفع المجتمعات الريفية إلى هاوية الأزمة. وارتفعت أسعار الأسمدة والوقود والبذور، في الوقت الذي واجه فيه المزارعون تقلص إمكانية الوصول إلى الأسواق وقلة خيارات سبل العيش البديلة. وحتى عندما تمكّن المزارعون من حصاد المحاصيل، كان انخفاض أسعار السوق يعني أن الزراعة وحدها لا يمكنها الحفاظ على سبل عيشهم.
ولهذه الأسباب، لم تعد Maw Maw قادرة على الاعتماد على دخلها الموسمي غير المستقر. وما كانت بأمس الحاجة إليه هو الحصول على أموال للاستثمار بنفسها.
وأتيحت لها الفرصة في عام 2024، عندما تغلبت على تردّدها وقررت الانضمام إلى مجموعة ادخار وإقراض نسائية في مجتمعها المحلي، تحظى بدعم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (المنظمة). ولكن، في ريف ميانمار، يصعب الحصول على القروض بالنسبة إلى الكثير من الأسر المعيشية، لا سيما النساء، لأن ذلك يتطلب مستندات رسمية أو ضمانات. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يلجأ الناس إلى مصادر غير رسمية، مثل الأصدقاء أو الأقارب أو المقرضين، ما قد ينطوي على أسعار فائدة مرتفعة أو غير متوقعة.
وساعدت المنظمة، بهدف معالجة هذه الفجوة، في إنشاء مجموعات نسائية للادخار والإقراض، تجمع النساء الأعضاء فيها المدخرات الصغيرة والمنتظمة ويحصلن على قروض منخفضة الفائدة.
وتذكر Maw Maw قائلة "كنت أشعر بالفضول، إنّما لم أكن واثقة من أنني قادرة على مواصلة الادخار بصورة منتظمة بسبب دخلي المحدود، ولكن شرحت لي اللجنة الإدارية للمجموعة كيفية عمل النظام."
وبُعيد انضمامها إلى مجموعة الادخار، حصلت على قرض صغير للاستثمار في بذور وأدوات ذات جودة أفضل، ما حسّن من محصولها.
ووجدت Maw Maw في وقت لاحق أكثر من مجرد الدعم المالي في هذه المجموعة، التي كانت قد تحوّلت إلى فضاء يمكن فيه للنساء الالتقاء لتبادل الأفكار ومناقشة التحديات ودعم بعضهن البعض. وتحوّل هذا الشعور بالارتباط إلى شريان حياة للنساء في خضم التوتر الاقتصادي والخوف والنزوح.
تسبب تغيّر المناخ والأزمات السياسة في عدم تمكن المزارعين، مثل Maw Maw، من الاعتماد كليًا على الزراعة لوحدها للحفاظ على سبل عيشهم. ورأت أن معكرونة الأرز سبيل لزيادة دخلها وتحقيق بعض الاستقرار في إيراداتها. ©FAO/Htike Koko Aung
المعكرونة تغذي الأسر
من خلال هذه الروابط، قرّرت Maw Maw والنساء الأخريات في مجموعة الادخار إطلاق مشروع صغير لإنتاج معكرونة الأرز، حيث إن الطلب على معكرونة الأرز مرتفع في مجتمعهن المحلّي، ولكن يصعب الحصول عليها، ما يُجبر الناس على التنقل بعيدًا لتأمينها. ولذلك قررت النساء، اللائي تمتلكن بالفعل حقول أرز، إنتاج معكرونة الأرز لتلبية هذا الطلب المحلّي.
وقامت المنظمة عبر البرنامج العالمي للزراعة والأمن الغذائي التابع لها، بتقديم آلة لصنع المعكرونة والتدريب العملي على تقنيات الإنتاج والسلامة الغذائية والنظافة. كما عززت النساء مهاراتهن المالية، وتعلمن مفاهيم الادخار والإقراض، ومسك الدفاتر، والمحاسبة، والتخطيط لإدارة المشاريع الصغيرة. وبفضل التجهز بهذه الأدوات، أصبح مشروع
معكرونة Taw Win Thazin محطة تتمتع بشعبية في المجتمع المحلّي، يولّد التدفق المنتظم للدخل الذي يغطي تكاليف الغذاء والمدرسة.
وإن رؤية نجاح هذا المشروع الذي تديره امرأة هو ما دفعها إلى اتخاذ خطوة أكثر جرأة وضمان الحصول على قرض أكبر من مجموعة الادخار لأجل فتح كشك للطعام في المدرسة الابتدائية.
ويجذب كشكها اليوم كلًا من الطلاب والأساتذة، الذين يترددون يوميًا لتناول ما تصنعه من سلطات معكرونة الأرز المعروفة والمحبوبة. وهي فخورة بجلب معكرونة الأرز من مشروع Taw Win Thazin. وتوفر مكاسبها اليومية من الكشك إيرادات مجدية تمكّنها من تسديد قروضها وإدارة نفقاتها.
بالإضافة إلى المجموعة النسائية للادخار والإقراض، وفرت المنظمة آلة لصناعة المعكرونة إلى جانب التدريب على تقنيات الإنتاج، والمهارات المالية، ومفاهيم الإقراض، ما زوّد النساء بالأدوات من أجل إدارة مشاريعهن الزراعية. ©FAO/Htike Koko Aung
وأنشأت المنظمة مع شركائها أكثر من 60 مجموعة نسائية للادخار والإقراض في جميع أنحاء ميانمار، حيث أشركت 300 1 من المزارعات منذ عام 2024. وتُدير أكثر من 350 امرأة اليوم مشاريعهن الخاصة، التي تتراوح بين تجهيز البذور الزيتية وإنتاج الفول السوداني والسمسمية، وذلك بعدما وفرت المنظمة التدريب على المشاريع الزراعية.
ويُعدّ مشروع معكرونة Taw Win Thazin مجرد مشروع واحد من أصل 48 من المشاريع الجماعية الصغيرة الحجم. ووفرت هذه النماذج التجارية الدخل لكثير من الأسر في مناطق تفتقد إلى خيارات. وفي بلد يواجه عدم اليقين اليومي، ثابرت هذه السيدات، وخلقت الفرص ليس لتغذية أنفسهن فحسب، بل أيضًا أسرهن ومجتمعاتهن المحلية.
وغالبًا ما تأخذ النساء الريفيات على عاتقهن العبء الأكبر، لأنهن العمود الفقري لمجتمعاتهن، حيث يعملن في الزراعة، وتجهيز الأغذية، وتربية الماشية، وإدارة شؤون المنزل، ورعاية الأطفال– لكن مساهماتهن تبقى غير مرئية ولا تحظى بالتقدير. والوصول إلى التمويل يمكِّن النساء من اتخاذ قرارات تعزز سبل عيشهن وترفع مستوى المجتمعات المحلّية.
هذه القصة هي واحدة من ضمن سلسلة من القصص التي تحتفي بالمزارِعات من حول العالم، أكان كمنتجات أو صيادات أسماك أو رعاة وصولاً إلى التجار النساء والعالمات الزراعيات ورائدات المشاريع الريفية. وتقرّ السنة الدولية للمزارعات لعام 2026 بمساهماتهنّ الأساسية في الأمن الغذائي والازدهار الاقتصادي وتحسين التغذية وسبل العيش رغم الأعباء الأثقل الملقاء على عاتقهنّ وظروف العمل الصعبة وعدم المساواة في حصولهنّ على الموارد. وتدعو السنة الدولية إلى إجراءات جماعية واستثمارات لتمكين النساء، على أطيافهنّ، ولبناء نظم زراعية وغذائية تتسم بقدر أكبر من الإنصاف والشمول والاستدامة للجميع.
للمزيد حول هذا الموضوع
الموقع الإلكتروني: الملامح القطرية لمنظمة الأغذية والزراعة: ميانمار
الموقع الإلكتروني: السنة الدولية للمزارعات 2026