Food and Agriculture Organization of the United NationsFood and Agriculture Organization of the United Nations

دروس صامتة أبلغ من الكلام


مدارس المزارعين الحقلية المُكيّفة في جمهورية مصر العربية تساعد المزارعين الصُمّ على الوصول إلى المعارف الزراعية وتحسين المحاصيل

Share on Facebook Share on X Share on Linkedin

مدرسة "صوت الصمت" الحقلية للمزارعين، التي تديرها منظمة الأغذية والزراعة ويمولها مرفق البيئة العالمية، تكسر حاجز الوصول إلى المعلومات أمام المزارعين الصُمّ والبُكم. وتُقدم الدروس المُكيّفة حلولًا زراعية حيوية، كانت في السابق بعيدة المنال عنهم من خلال المدارس التقليدية. ©FAO/Ahmed Elshemy

19/02/2026

في واحة الخارجة، تلك البقعة الخضراء المنحوتة على شكل هلال في الصحراء الغربية بجمهورية مصر العربية، تُغطي حرارة الظهيرة صفوف أشجار النخيل كغطاء دافئ. ويجتمع خمسة عشر مزارعًا في الظل، ولكن لا وجود لتحيات صاخبة أو أحاديث عابرة. فالأيادي تتحرك في الهواء بحركات سريعة ودقيقة، في حوار يدور في صمت تام.

إنها مدرسة "صوت الصمت" الحقلية للمزارعين الممولة من مرفق البيئة العالمية، حيث حوّل المزارعون الصُمّ والبُكم ما كان يومًا حاجزًا إلى مصدر قوة جماعية، ليصبحوا من أمهر مزارعي التمور في محافظة الوادي الجديد في جمهورية مصر العربية.

وتُعدّ زراعة النخيل أساس الحياة في واحة الخارجة. إلّا أن هذه الزراعة عانت في السنوات الأخيرة من شحّ المياه، وتزايد أعداد الآفات، وانتشار سوسة النخيل الحمراء. وقد تفاقمت هذه التحديات بالنسبة إلى المزارعين الذين يعانون من صعوبات في السمع والنطق. فاعتمدت التدريبات الزراعية التقليدية على التلقين الشفهي، ما أدى إلى استبعادهم إلى حد كبير من المعرفة الفنية ونظم الإنذار المبكر والتوجيهات المتعلقة بمكافحة الآفات.

وحرث السيد خالد محمد هذه الأرض لعقود، مُتقنًا قراءة التربة وفهم الفصول ببراعة. ولكن المعلومات الأهم، مثل كيفية التعرّف على العلامات المبكرة للإصابة، وكيفية تحسين صحة التربة، وكيفية سدّ جروح التقليم لمنع تغلغل الآفات، ظلت لسنوات بعيدة المنال.

وأوضح السيد خالد، مع قيام زوجته السيدة نحمدو رياض عبد الحميد بالترجمة الفورية، قائلًا "للمرة الأولى، شعرتُ بأنني موجود ومسموع حقًا، حتى دون أن أتكلم".

وبدأت فكرة المدرسة في عام 2021، عندما حضر السيد محمد دورة تدريبية تقليدية للمزارعين الميدانيين نظمتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (المنظمة)، وجلس بهدوء في الخلف، يدرس الصور والفيديوهات بتركيز واضح. وكان يملك بستان نخيل، وكان في حاجة إلى حلول، لكنه لم يكن يملك المعرفة اللازمة.

وبدعم وتشجيع من السيدة نحمدو، تقدم السيد خالد إلى المنظمة باقتراح بسيط: تكييف نموذج المدرسة الحقلية للمزارعين ليتمكن المزارعون الصُمّ من المشاركة بشكل كامل. وأدرك السيد أحمد دياب، أخصائي تطوير البرامج والأعمال الزراعية في المنظمة، أهمية الطلب على الفور.

ويوضح قائلًَا "إن الإدماج الحقيقي يعني إعادة التفكير في كيفية التدريس، وليس من نُدرّس". وبالتعاون مع المجتمع المحلي، عدّلت المنظمة نهج المدرسة الحقلية للمزارعين القائم على الاكتشاف والذي بُني أصلًا على التعلّم من الأقران وإجراء التجارب ليصبح في متناول المنتجين الذين يعانون من صعوبات في السمع والنطق.

في مدرسة المزارعين الحقلية المكيّفة، قدّمت السيدة نحمدو، زوجة السيد خالد، ترجمةً بلغة الإشارة، ويسّرت الحوار بين مُيسّري المدرسة والمزارعين الصُمّ لتمكينهم من المشاركة بشكل كامل. (يسار/أعلى: ©منظمة الأغذية والزراعة. يمين/أسفل: ©FAO/Ahmed Elshemy

وجمعت المدرسة الحقلية للمزارعين "صوت الصمت" 15 مزارعًا أصمّ في بيئة تعليمية مُصمّمة خصيصًا لتلبية احتياجاتهم. واضطلعت السيدة نحمدو بدور حلقة الوصل الأساسية، حيث ترجمت المفاهيم الفنية إلى لغة الإشارة، ويسّرت الحوار بين المزارعين والمُيسّرين. واستُبدلت المحاضرات بوسائل بصرية: أدلة مُصوّرة، ورسوم بيانية رُسمت جماعيًا على الأرض، وعروض فيديو صامتة تُظهر استخدام السماد العضوي، والرصد النُظمي للآفات، والكشف المُبكر عن الإصابة بسوسة النخيل الحمراء. وتطوّر التعلّم من خلال الملاحظة والتكرار والتجارب المشتركة بدلًا من التلقين الشفهي.

وعلى مدار كامل دورة المدرسة الحقلية للمزارعين، اختبر المشاركون ممارسات زراعية مُحسّنة وممارسات مُتكاملة لإدارة الآفات مباشرةً في بساتينهم. وقاموا بإدخال السماد العضوي لتحسين سلامة التربة وزيادة توافر العناصر الغذائية، واعتمدوا المراقبة الروتينية لتحديد الإصابات في وقت مبكر، وقاموا بوضع مواد مانعة للتسرب على جروح التقليم لسدّ نقاط دخول الحشرات.

وكانت النتائج ملموسة. فقد أبلغ المزارعون عن متوسط زيادة بنسبة 20 في المائة في إنتاج التمور، إلى جانب تحسينات ملحوظة في جودة الثمار، بما في ذلك من حيث تماثل الحجم والحلاوة، وهي مكاسب تُرجمت إلى ارتفاع أسعار السوق وزيادة دخل الأسر.

تم تطبيق مبادرة "صوت الصمت" الخاصة بالمدارس الحقلية للمزارعين المكيّفة في جميع أنحاء البلاد، مما يُثبت أن النموذج قابل للتطبيق على نطاق واسع ومستدام وذو صلة بمختلف السياقات وأن النهج الشاملة قادرة على إطلاق العنان لطاقات كامنة من أجل تعزيز الاقتصادات الريفية. ©FAO/Ahmed Elshemy

وكان تغير نظرة المجتمع على نفس القدر من الأهمية. فبعد أن كان يُنظر إلى المزارعين الصُمّ في المقام الأول على أنهم مُستفيدون من المساعدات، تم الاعتراف بهم الآن بهم كممارسين ذوي خبرة. وبدأ السيد محمد عبد العزيز، أحد المشاركين، في تعليم جيرانه الصُمّ كيفية التعرف على أضرار الآفات وحماية أشجارهم. وأوضح قائلاً "لقد ساعدتني الصور والإشارات على فهم كل شيء بوضوح. والآن أُعلّم جيراني أيضًا".

وتكمن قوة هذا النموذج في بساطته. إذ تُقدّر تكلفة تعليم مجموعة كاملة من الأشخاص في المدارس الحقلية للمزارعين في جمهورية مصر العربية بحوالي 000 1 دولار أمريكي، وتشمل التيسير والمواد التعليمية والخدمات اللوجستية. وقد لفت هذا التصميم منخفض التكلفة وعالي التأثير الأنظار إلى مناطق أخرى غير واحة الخارجة.

وخلال منتدى العلوم والابتكار لعام 2024 الذي نظمته المنظمة، حازت المبادرة على جائزة المنظمة للابتكار، وهي الأولى من نوعها بالنسبة إلى المدارس الحقلية للمزارعين. ودعم مكتب المنظمة في جمهورية مصر العربية بالفعل تطبيق المبادرة في محافظة المنيا، مع دراسة إمكانية توسيع نطاقها من خلال مشاريع جارية وأخرى قيّد التخطيط.

وتُعدّ مبادرة "صوت الصمت"، بعيدًا عن تأثيرها على فرادى المزارعين، جزءًا من التزام المنظمة بمبدأ "عدم ترك أي أحد خلف الركب". فمن خلال ضمان إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، بل ومشاركتهم الفعّالة في سلاسل القيمة المحلية، يُظهر البرنامج كيف يمكن للنهج الشاملة أن تُطلق إمكانات غير مستغلة وتُعزز الاقتصادات الريفية. ويدلّ تطبيق المبادرة في جميع أنحاء البلاد أن النموذج قابل للتوسع ومستدام وذو صلة بمختلف السياقات. وما بدأ كاستجابة محلية أصبح مثالًا وطنيًا يُحتذى به في كيفية نمو الابتكار والكرامة والفرص معًا.

ومع حلول الغسق على الواحة، يتفرق المزارعون، وأياديهم لا تزال تتحرك في إشارة لمواصلتهم تجاذب أطراف الحديث. وفي واحة الخارجة، لم يعد الصمت دلالة على الإقصاء بل نوعًا مختلفًا من الحوار: حوار متجذر في الثقة والمعرفة المشتركة وفي بيئة باتت فيها الأصوات الآن مسموعة، وإن كانت غير منطوقة.

للمزيد عن هذا الموضوع

للمزيد من المعلومات

الموقع الإلكتروني: الابتكار في منظمة الأغذية والزراعة

الموقع الإلكتروني: منظمة الأغذية والزراعة في جمهورية مصر العربية

الموقع الإلكتروني: منظمة الأغذية والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والابتكار

الموقع الإلكتروني: منصة مدارس المزارعين الحقلية العالمية